قصص و روايات

كنا نظن أننا أبناء صالحون… حتى عدنا واكتشفنا الحقيقة

أنا من اقترحت أن نرسل المال إلى روبين.
لا قلت أنا الأكبر. كان علي أن أراقب.
كلنا قال دييغو لكن أحدهم سيدفع الثمن.
في اليوم التالي ذهبنا إلى المجمع السكني.
كان المنزل كبيرا.
نظيفا.
وبه سيارة.
كل ذلك من تضحياتنا.
طرقت البوابة.
خرج روبين مبتسما.
راؤول! لم تخبروني
لم يتركه دييغو يكمل.
لكمه.
أين المال صرخ أين الثلاثة ملايين
كنت أعطي أمك المال قال وهو يتراجع خطوة إلى الخلف وعيناه تهربان من نظراتنا.
كاذب! صاحت ماريا وصوتها ارتجف بين الغضب والانكسار.
خرجت زوجته نورما من خلف الباب.
كانت شاحبة الوجه وعيناها حمراوين كأنهما لم تعرفا النوم منذ زمن.
كفى قالت بصوت متهدج كل شيء صحيح.
ساد صمت ثقيل.
لم يعد هناك مجال للإنكار.
اعترفت بكل شيء.
قالت إن روبين كان يستلم التحويلات بحجة تسهيل الإجراءات.
قالت إنه وعد بأن يوصل المال كاملا.
قالت إنه في البداية فعل ذلك فعلا ثم بدأ ينقص شيئا فشيئا.
ثم لم يعد يوصل شيئا.
أظهرت كدمات قديمة على ذراعها.
قالت إنها حاولت منعه.
قالت إنها كانت خائفة.
لم أسمع كل الكلمات بوضوح.
كنت أسمع فقط صوتا داخليا يصرخ خمس سنوات خمس سنوات!
قدمنا بلاغا رسميا.
جمعنا كل التحويلات.
كشوف الحسابات.
المراسلات.
المكالمات المسجلة.
وللمرة الأولى منذ سنوات لم أعد أفكر في المال بل في الزمن.
الزمن الذي ضاع.
الأيام التي عاشت فيها أمي على قطعة خبز ونحن نظنها في بيت دافئ.
وأمي بدأت تتحسن.
في المستشفى كان جسدها ضعيفا لكنه كان يقاوم.
كان الأطباء يتحدثون عن سوء تغذية حاد عن جفاف عن نقص في الفيتامينات.
كنت أستمع إليهم لكنني كنت أنظر إلى وجهها فقط.
كانت نائمة لكن يدها لم تفلت يدي.
في إحدى الليالي بينما كانت ماريا تطعمها ببطء ملعقة بعد ملعقة تحدثت أمي بصوت خافت
يا أبنائي أنتم هنا الآن. هذا يكفي.
ابتسمت لكن شيئا في داخلي كان يرفض هذه الجملة.
لا لم يكن يكفي.
الدرس الحقيقي كان قد بدأ للتو.
لم يكن المال هو ما كان ينقص.
كان الحضور.
في الليلة الأولى التي عدنا فيها إلى البيت المؤقت الذي استأجرناه جلسنا حول طاولة صغيرة.
الطعام كان بسيطا أرز دجاج مشوي سلطة.
لكنني شعرت أنني أتناول أغلى وجبة في حياتي.
كنا أربعة.
أمي ماريا دييغو وأنا.
أربعة مكتملون.
أمي قلت ممسكا يدها نحن هنا. ولن نرحل.
نظرت إلي طويلا.
كان في عينيها شيء لم أره منذ طفولتي.
اطمئنان.
الحمد لله همست.
مرت الأشهر.
استقلنا من أعمالنا في الخارج.
اتصل بي مديري في دبي أكثر من مرة.
قال إنني أرتكب خطأ كبيرا.
قال إنني أضيع مستقبلي.
ربما كان على حق من منظور واحد.
لكن كل صباح حين كنت أرى أمي تمشي في الفناء ببطء تسقي النباتات الصغيرة تلمس أوراقها كأنها تلمس الحياة نفسها كنت أعلم أنني لم أخسر شيئا.
افتتحنا مشروعا صغيرا في الحي.
متجر بسيط لبيع المواد الغذائية.
لم يكن هدفنا أن نصبح أثرياء.
كان هدفنا أن نعيش بكرامة.
كنت أقف خلف المحاسبة أحيانا وأفكر قبل عام واحد فقط كنت أقف أمام مخططات عملاقة من الحديد والزجاج والآن أقف أمام أكياس أرز وزيت وسكر.
لكنني لم أشعر يوما بهذا القدر من السلام.
في الوقت نفسه بدأنا نتحدث مع مهاجرين آخرين.
كثيرون منهم كانوا يرسلون أموالهم عبر أقارب أو أصدقاء.
بلا توثيق.
بلا متابعة.
كنا نجلس معهم نخبرهم قصتنا بالتفصيل.
نشرح لهم أهمية التحويلات المباشرة.
نعلمهم كيف يطلبون إثبات الاستلام.
كيف يتأكدون بأنفسهم.
لم نرد لأم أخرى أن تموت جوعا في صمت بينما يظن أبناؤها أنها تعيش في رخاء.
ذات ليلة بينما كنا نشرب القهوة في غرفة الجلوس تحدثت أمي فجأة
يا أبنائي هل تعرفون ما كان أشد ألما من كل ذلك
نظرنا إليها بصمت.
لم يكن الجوع قالت ولا البرد ولا الإهانة.
توقفت لحظة ثم أكملت
كان أن أظن أنكم ربما تخليتم عني.
أن أظن أنني لم أعد في بالكم.
شعرت بصدري ينقبض.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى