
ومن المهم أن يدرك المسلم أن مسألة القبر والنجاة من عذابه ليست أمورًا تُنال بالتمنيات أو بالمظاهر الشكلية، وإنما تتحقق بالاستعداد الحقيقي للقاء الله سبحانه وتعالى. فالإنسان حين يغادر الدنيا لا يصحبه مال ولا جاه ولا متاع، وإنما يصحبه عمله فقط، كما قال الله تعالى: “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى”. لذلك فإن الحرص على الأعمال الصالحة هو الطريق الأصدق للطمأنينة في القبر.
وقد يقع بعض الناس في مثل هذه الوصايا بدافع الخوف من الموت أو الجهل بالأحكام الشرعية، فيبحثون عن وسائل يظنون أنها تنفعهم بعد الوفاة، بينما يغفلون عن الوسائل التي دلّ عليها الشرع بوضوح، مثل التوبة النصوح، والمحافظة على الصلاة، وكثرة الاستغفار، ورد المظالم إلى أهلها، والإكثار من الصدقات، وقراءة القرآن والعمل به.
القرآن الكريم نفسه بيّن أن نفعه يكون لمن تمسك به في حياته، فقال الله عز وجل إنه هدى ورحمة للمؤمنين. فالهداية الحقيقية ليست في مجرد حمل المصحف أو وضعه بجوار الإنسان، وإنما في أن يكون حاضرًا في قلبه وسلوكه وأخلاقه. فمن عاش مع القرآن علمًا وعملاً، كان القرآن شفيعًا له بإذن الله يوم القيامة.
ولهذا ينصح العلماء من أراد أن يوصي بشيء ينفعه بعد موته أن يوصي بما هو مشروع، كأن يوصي بقضاء ديونه، أو التصدق من ماله في وجوه الخير، أو نشر علم نافع، أو إنشاء صدقة جارية، فهذه الأعمال هي التي يستمر أجرها وتكون سببًا في رفع درجاته.
وخلاصة الأمر أن دفن المصحف في الكفن لا أصل له في الإسلام، ولا يحقق الحماية التي يتوهمها البعض، بل قد يحمل معنى مخالفًا لمقصد تعظيم كتاب الله. والنجاة من عذاب القبر لا تكون إلا بالإيمان الصادق والعمل الصالح، وبالتمسك بكتاب الله قراءةً وفهمًا وتطبيقًا، لا بمجرد وضعه مع الميت في قبره. فالعبرة ليست بما يُدفن مع الإنسان، بل بما قدّمه قبل أن يُدفن.




