ديني

(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ) 👇مامعنى (قروء )؟

ولهذا كانت عدة المطلقة عبادة وحكمة وتشريعًا يحفظ الكرامة والحقوق، وليست مجرد مدة انتظار كما يظن البعض.

ومن الأمور الجميلة التي ذكرها العلماء أيضًا أن اختلافهم في معنى كلمة “قروء” لم يكن اختلاف تضاد أو تناقض، بل كان اختلاف فهم واجتهاد في لغة العرب وأساليبها، وهذا يبين مدى دقة القرآن الكريم وعمق ألفاظه.

فالعرب قديمًا كانت تستخدم كلمة “القُرء” للدلالة على الوقت الذي تنتقل فيه المرأة من حال إلى حال؛ من الطهر إلى الحيض أو من الحيض إلى الطهر، ولذلك احتمل اللفظ المعنيين معًا.

وقد استدل كل فريق بأدلة من القرآن والسنة واللغة:

فالذين قالوا إن “القروء” تعني الحيض استدلوا بقول النبي ﷺ في بعض الأحاديث عندما ذكر الحيض بلفظ “الأقراء”، وقالوا إن الحيض هو العلامة الأوضح لانتهاء العدة.

أما الذين قالوا إن المقصود هو الطهر، فاستدلوا بأن الطلاق المشروع يكون غالبًا في طهر لم يحدث فيه جماع، فناسب أن تُحسب الأطهار لا الحيضات.

ومن هنا نرى كيف أن العلماء لم يتكلموا بآرائهم الشخصية، بل بنوا أقوالهم على فهم دقيق للنصوص.

ومن الحكم العظيمة في جعل العدة “ثلاثة قروء” أن المرأة في هذه الفترة تكون بعيدة عن التسرع في اتخاذ قرار جديد، كما يُعطى الزوج فرصة للمراجعة إذا كان الطلاق رجعيًا.

ولهذا قال تعالى بعد ذلك:
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾
أي إن الزوج يستطيع إرجاع زوجته أثناء العدة إذا كان القصد الإصلاح الحقيقي وليس الإضرار بها.

وكان العرب قبل الإسلام قد يظلمون المرأة في الطلاق؛ فيطلّق الرجل زوجته ثم يراجعها قبل انتهاء العدة بقليل، ثم يطلقها مرة أخرى ليطيل عليها العذاب، فجاء الإسلام فوضع حدودًا واضحة تحفظ الحقوق وتمنع الظلم.

كما أن العدة تختلف بحسب حال المرأة:

  • فالمطلقة التي تحيض عدتها ثلاثة قروء.
  • والتي لا تحيض لصغر أو كبر فعدتها ثلاثة أشهر.
  • والحامل عدتها حتى تضع حملها.
  • أما المتوفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام.

وكل ذلك يدل على أن التشريع الإسلامي قائم على الحكمة ومراعاة اختلاف الأحوال.

والتأمل في كلمة واحدة مثل “قروء” يجعل الإنسان يدرك عظمة اللغة العربية، وكيف أن القرآن نزل بألفاظ دقيقة تحمل معاني واسعة، حتى إن العلماء بعد مئات السنين ما زالوا يتدبرون أسرارها.

فالقرآن ليس كتابًا عاديًا تُقرأ كلماته مرورًا سريعًا، بل كل لفظ فيه موضوع بحكمة، وكل حرف له دلالة، ولذلك كان السلف يقولون:
“لا تنقضي عجائب القرآن”.

ولهذا فإن فهم معاني القرآن لا يزيد المؤمن إلا يقينًا بعظمة هذا الكتاب، ورحمة هذا الدين، ودقة التشريع الذي أنزله الله لعباده.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى