
طبيب يكشف موقفًا مؤثرًا لرضيع داخل عيادته
في عيادتي اليوم، دخلت حالة لن أنساها ما حييت…
أمّ شابة تحمل رضيعًا لم يتجاوز عمره ثلاثة أشهر، وملامح الإرهاق بادية على وجهها. جلست أمامي وهي تحاول تهدئته، لكنه كان يبكي بكاءً متواصلًا، حادًا، يمزّق القلب قبل الأذن. قالت لي بصوتٍ مكسور:
“دكتور… مش بيسكت خالص… إلا لما نحط عليه هدوم أمه.”
توقفت للحظة. سألتها: “أمه؟”
أجابت والدموع تسبق كلماتها: “أمه توفت من شهرين.”
سكن المكان، وكأن الجدران نفسها أصابها الصمت.
الطفل كان بين ذراعيها، جسده الصغير يرتجف مع كل شهقة بكاء. لا حرارة، لا مغص واضح، لا علامات مرض عضوي خطير. الفحوصات الأولية مطمئنة. لكنه يبكي… كأنه يبحث عن شيء ضاع منه فجأة.
أخرجت الجدة قطعة قماش صغيرة من حقيبتها، قميصًا قطنيًا قديمًا. قالت:
“ده آخر حاجة كانت لابنته… بنحطه عليه، ينام.”
وضعته برفق فوق صدره… وفي دقائق، هدأ البكاء تدريجيًا. أنفاسه انتظمت، ويده الصغيرة انغلقت على طرف القماش وكأنه يمسك بشيء يعرفه جيدًا.
في الطب، نتعلم عن الحواس الخمس، وعن تطور الرضيع، وعن استجابته للروائح والأصوات. لكن في هذه اللحظة، لم يكن الدرس طبيًا فقط… كان إنسانيًا بامتياز.
الرضيع في عمر الثلاثة أشهر يتعرّف على أمه بالرائحة قبل الملامح، بالصوت قبل الصورة. رائحة الأم بالنسبة له أمان، حضن، دفء، غذاء، حياة. وحين تُنتزع فجأة من عالمه، يبقى جسده يبحث عنها بكل وسيلة.
ذلك القميص لم يكن مجرد قطعة قماش…
كان ذاكرة.
كان طمأنينة مختزنة في نسيج قطني.
كان ما تبقى له من عالمٍ فقده قبل أن يفهم معنى الفقد.
جلست مع الأسرة أشرح لهم أن الطفل لا “يتدلل”، ولا “يتعوّد على شيء غلط” كما يخشى البعض. هو ببساطة يحتاج إلى الأمان. يحتاج إلى بديلٍ يشبه حضن أمه، ولو كان في رائحتها العالقة على ثيابها.
نصحتهم أن يكثروا من حمله، أن يلامسوه أكثر، أن يتحدثوا إليه، أن يغمروا يومه بصوتٍ دافئ واحتواءٍ مستمر. فاللمس عند الرضيع ليس رفاهية، بل ضرورة نفسية وعصبية.
خرجوا من العيادة، والطفل نائم بهدوء، والقميص على صدره الصغير.
وبقيت أنا للحظات أفكر…
كم نظن أن الرضيع لا يفهم،
ولا يشعر،
ولا يدرك ما يحدث حوله.
لكنه ربما يشعر أكثر منا جميعًا.
ذلك الطفل لم ينطق كلمة، لكنه علّمني درسًا عظيمًا:
أن الحب يُحفظ في الذاكرة قبل أن تُحفظ الكلمات،
وأن الأم… ليست مجرد شخص، بل وطنٌ كامل يسكن قلب طفلٍ صغير.
رحم الله كل أم رحلت وتركَت في قلوب أبنائها رائحة لا تزول،
وألهم كل صغيرٍ فقد حضن أمه صبرًا، وعوضه الله أمانًا لا ينقطع.




