
ما معنى قوله تعالى : فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ؟
قال الله تعالى:
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾
[سورة الشرح: 7–8]
أولًا: المعنى العام للآيتين
تأتي هاتان الآيتان في ختام سورة الشرح، لتضع منهجًا ربانيًا متكاملًا لحياة المؤمن، قائمًا على العمل المتواصل، والاجتهاد الدائم، والتعلق الصادق بالله وحده.
فالمعنى الإجمالي:
إذا انتهيت من عمل أو عبادة، فلا تركن إلى الكسل أو الراحة الطويلة، بل انتقل إلى عمل آخر، واجعل رغبتك وقصدك وتوجهك كله إلى الله وحده.
ثانيًا: معنى قوله تعالى ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾
1. معنى “فرغت”
أي إذا انتهيت وأتممت ما كنت فيه من:
- عبادة
- عمل
- دعوة
- جهاد
- مسؤولية دنيوية أو دينية
فالفراغ هنا ليس دعوة للراحة المطلقة، بل هو انتقال من مهمة إلى أخرى.
2. معنى “فانصب”
“انصب” أي:
- اجتهد
- تعب
- ابذل جهدك
- داوم على العمل والطاعة
قال أهل التفسير:
أي إذا فرغت من طاعة، فانصب في طاعة أخرى.
وقيل:
إذا فرغت من شؤون الدنيا، فانصب في العبادة،
وإذا فرغت من العبادة، فانصب في خدمة الخلق والعمل الصالح.
ثالثًا: أقوال المفسرين في الآية
● قال ابن عباس رضي الله عنهما:
إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب في الدعاء.
● وقال مجاهد:
إذا فرغت من أمور الدنيا، فانصب في عبادة ربك.
● وقال الحسن البصري:
لم يجعل الله للمؤمن فراغًا، إنما هو انتقال من عمل إلى عمل.
رابعًا: معنى قوله تعالى ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾
1. معنى “فارغب”
أي:
- اجعل رغبتك
- وأملك
- وطموحك
- وسؤالك
متوجهًا إلى الله وحده.
2. دلالة التقديم في الآية
قدّم الله تعالى الجار والمجرور “إلى ربك” على الفعل “فارغب”،
وذلك يفيد الحصر، أي:
لا ترغب إلا إلى ربك، ولا تسأل سواه، ولا تتعلق بقلبك بغيره.
خامسًا: الترابط بين الآيتين
الآيتان ترسمان توازنًا عظيمًا:
- عمل بلا توقف → ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾
- قلب متصل بالله دائمًا → ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾
فلا يغني العمل بلا إخلاص،
ولا يكفي الدعاء بلا سعي.
سادسًا: دروس إيمانية مستفادة
- الإسلام دين حركة وعمل، لا كسل وخمول.
- الفراغ الحقيقي خطر على القلب والعقل.
- على المسلم أن يكون دائم الصلة بالله في كل أحواله.
- النجاح الحقيقي هو أن يكون القلب معلقًا بالله أثناء السعي.
- العبادة لا تنحصر في الصلاة فقط، بل تشمل كل عمل صالح بنية خالصة.
سابعًا: تطبيق الآية في حياتنا اليومية
- بعد الصلاة → ذكر ودعاء
- بعد العمل → شكر واستغفار
- بعد النجاح → تواضع ولجوء إلى الله
- بعد التعب → نية صالحة واستمرار في الخير
تحمل هاتان الآيتان رسالة عظيمة لكل مسلم:
اعمل بلا توقف، وتعلق بالله بلا انقطاع.
فالسعادة الحقيقية ليست في الفراغ،
بل في عمارة الوقت بالطاعة،
وتوجيه القلب كله إلى الله وحده.
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾




