وفاة آيات آخر مصابات حادث إقليمي المنوفية..وداعا 20 زهرة

يمكن تخيل حجم الزحام في تلك اللحظات الأخيرة. تقول إحدى سيدات القرية: “بناتنا كن صغيرات الحجم، لا يزعجهن التزاحم، بل يجدن فيه متعة، خاصةً أن أغلبهن من الأقارب، وينتمين إلى عائلات مترابطة”.
وخلال التنقل من وإلى القرية، لاحظت كاتبة النص أن بعض مالكي الميكروباص يعمد إلى تركيب مقاعد إضافية، وتقليل المسافة بين المقاعد الأصلية، وذلك لزيادة الحمولة. يحدث هذا في ظل تهالك العربات، وهو ما يطرح تساؤلات عن صلاحية الميكروباص، الذي كان ينقل الفتيات يوم الحادث.
كان هناك تكتم شديد بين الأهالي، في الإفصاح عن ملاَك المزارع، التي كانت تعمل فيها الفتيات ضحايا الحادث، خوفاً من قطع أرزاق الباقيات! وعلى كل الأحوال، فالعمل في تلك المزارع يتم من دون عقود مكتوبة أو تأمين اجتماعي. وفي ظل غياب الرقابة الكافية، تتكرر الانتهاكات مثل العمل دون وسائل حماية أو تدريب، إلى جانب مخاطر النقل الجماعي غير الآمن.
يطالب الأهالي ببناء مدرسة ثانوية في القرية، وتوفير فرص عمل للفتيات داخل السنابسة، حتى لا يضطررن إلى الخروج من القرية للعمل. يأملون كذلك في بناء مستشفى، أو تحسين أوضاع الوحدة الصحية في القرية، فالأثر الذي ستحدثه فاجعة موت الفتيات في تحسين أوضاع القرية، ربما سيهدّئ قليلاً من جحيم فقدانهن.
في يوم الحادث أيضاً، كانت هناك ثلاث عربات ميكروباص متجهة إلى ما يعرف بين الأهالي بـ”مزارع الجبل”. واحدة منها فقط تعرضت للحادث، وكانت تقل إحدى التوأمين: هناء، التى لقيت مصرعها وتركت شقيقتها التوأم رنا وحيدة. فعندما ركبتْ رنا الميكروباص، لم تجد شقيقتها مكاناً إلى جوارها، فقالت لها: “لا بأس، سأركب الميكروباص الآخر”. وكانت هذة كلماتها الأخيرة.
تأخرتْ هناء في العودة بحوالي نصف ساعة، وحين حاولت رنا الاتصال بالمشرفة المسؤولة عن الفتيات، لم تتلق رداً. وبعد لحظات، وصلها الخبر الصاعق: وفاة زميلاتها، وفي مقدمتهن شقيقتها هناء. رنا وهناء لم تكونا تفترقان أبداً، كما تكرر والدتهما، والآن تجلس رنا مذهولة، تتلقى العزاء، ولا تدري كيف ستكمل الحياة وحدها.
أما شيماء فكانت تحلم بأن تصير ممرضة. كانت تداعب والدها دائماً، وتقول له إن عليه أن يستعد، لأن دراستها ستكون مكلفة، وتعده بأنها سترفع اسم العائلة. كانت “وردة البيت”. ومع ذلك، لم تلجأ عائلتها إلى اللعن أو اتهام أحد. لم يلوموا السائق، حتى لو كان متهوراً، ولا الطريق الإقليمي المهمَل، ولا المسؤول الذي يحاول التملص من مسؤوليته. فالمسؤول الحقيقي هنا قد يكون نظاماً بأكمله، لا يراعي العدالة الاجتماعية، ويدفع الفقراء إلى الكد يومياً بحثاً عن لقمة العيش، من دون أن يوفر لهم أبسط حقوقهم في السلامة.
في أعقاب الحادث، كلف الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة بدراسة إغلاق أجزاء من الطريق، خاصةً تلك التي تشهد أعمال صيانة ورفع كفاءة، ثم أصدر قراره بإغلاق الطريق لمدة أسبوع، بدءًا من الثامنة صباح الثلاثاء 8 تموز/ يوليو. لكن، هل كان يمكن أن يصدر القرار قبل بضعة أيام فقط؟، لو حدث ذلك، ربما كانت آيات ستكمل حلمها في الالتحاق بكلية الطب،على الرغم من ظروف أسرتها. وربما دخلت هناء ورنا عامهما الدراسي الجديد معاً. وربما قفزت تُقى فرحاً حين عرفت أنها من أوائل صفها، فعاتبتها أمها على الصخب، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة فخر بابنتها التي تكمل حلمها في التعليم.




