وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا.. فمن هم القاسطون المذكورون في الآية؟

وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا.. فمن هم القاسطون المذكورون في الآية؟
وردت هذه الآية الكريمة في سورة الجن، حيث قال الله تعالى:
﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: 15].
وقد يتساءل الكثيرون عن معنى كلمة القاسطون الواردة في الآية، ومن المقصود بها؟
أوضح علماء التفسير أن القاسطين هم الذين مالوا عن الحق والعدل، وانحرفوا عن طريق الهداية، واختاروا طريق الكفر والضلال والعصيان. فالقسط بمعنى العدل، أما “القاسط” فهو الجائر الظالم الذي ترك الحق وسلك سبيل الباطل.
وقد جاء هذا الوصف على لسان الجن المؤمنين الذين أعلنوا إيمانهم بالله، فقالوا إن منهم الصالحين ومنهم غير ذلك، ثم بينوا أن المسلمين الذين استسلموا لله واتبعوا أوامره هم الذين تحروا طريق الرشد، أما القاسطون فقد أعرضوا عن الإيمان واستكبروا عن الحق.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾، أي أنهم يكونون وقودًا للنار بسبب ظلمهم وكفرهم وإعراضهم عن طاعة الله.
ومن الجدير بالذكر أن هناك فرقًا بين كلمتي المُقسطين والقاسطين؛ فالمُقسطون هم العادلون الذين يحبهم الله، كما قال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
أما القاسطون فهم الظالمون الجائرون الذين انحرفوا عن طريق الحق.
وهكذا يتبين أن المقصود بالقاسطين في الآية ليس فئة معينة أو قومًا مخصوصين، بل كل من أعرض عن هدى الله وظلم وجار وابتعد عن سبيل الإيمان، فاستحق الوعيد الشديد الذي ذكره الله في كتابه العزيز.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل العدل والاستقامة، وأن يثبتنا على الحق، وأن يجنبنا طريق الظلم والضلال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ومن لطائف اللغة العربية التي أشار إليها العلماء أن الفرق بين «القاسط» و**«المُقسط»** يكمن في حرف واحد، لكن المعنى يختلف تمامًا؛ فالقاسط هو الجائر الظالم الذي عدل عن الحق، أما المُقسط فهو العادل المنصف الذي أقام الحق بين الناس. ولذلك مدح الله المُقسطين، وتوعّد القاسطين بالعذاب.
وقد ذكر كبار المفسرين، مثل ابن كثير والطبري، أن القاسطين هم الكافرون والظالمون الذين انحرفوا عن طاعة الله، وأن قول الله تعالى: ﴿فكانوا لجهنم حطبًا﴾ يعني أنهم يكونون وقودًا للنار يوم القيامة، جزاءً على كفرهم وطغيانهم.
كما أن الآية جاءت بعد قول الجن المؤمنين:
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: 14-15].
وفي هذه الآيات تقسيم واضح بين أهل الإيمان وأهل الضلال؛ فالإسلام والهداية طريق النجاة، أما الظلم والكفر والإعراض عن أوامر الله فهي أسباب الهلاك والخسران.
والقرآن الكريم حافل بالتحذير من الظلم، لأن الظلم من أعظم الذنوب، وقد قال النبي ﷺ: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». فالظالم قد يظلم نفسه بالكفر والمعاصي، وقد يظلم الناس بأكل حقوقهم أو الاعتداء عليهم، وكل ذلك يدخل في معنى الجور والانحراف عن الحق.
ومن أعظم الدروس المستفادة من هذه الآية أن الإنسان لا ينبغي أن يغتر بقوته أو ماله أو مكانته، فالعبرة الحقيقية بطاعة الله والاستقامة على أمره. كما أن باب التوبة مفتوح، فمن رجع إلى الله تائبًا صادقًا غفر الله له ذنوبه، مهما عظمت، لأن الله سبحانه واسع الرحمة، يقبل توبة عباده ويعفو عن السيئات.
وهكذا فإن القاسطين المذكورين في الآية هم كل من جار عن الحق، وأعرض عن هدى الله، وسلك سبيل الظلم والكفر والعصيان، فاستحق الوعيد الشديد الذي أخبر الله به في كتابه العزيز، ليكون ذلك تحذيرًا للناس ودعوة لهم إلى العدل والإيمان والاستقامة.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المُقسطين العادلين، وأن يهدينا إلى صراطه المستقيم، وأن يعيذنا من الظلم والضلال وسوء المصير.




